‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة. إظهار كافة الرسائل

27 يناير 2011

يوم الغضب (أهم أحداث الأيام الثلاثة)

صورة: الكاتب الصحفي محمد عبدالقدوس أثناء اعتقاله في اليوم الثاني
عندما بدأت تظاهرات الغضب المصرية التي قامت على غرار الثورة الشعبية التونسية، كتبَ أحد التونسيون على أحد المواقع الاجتماعية مؤازرًا الشعب المصري قائلا: (مثلما فعل بن علي، سيهددكم مبارك بكل حزم، فلا تخافوه .. ثم سيقطع الإنترنت، فشكلوا مثلنا لجان أحياء ثورية .. ثم سيعتقل الناس، فاصبروا .. ثم سيكذبكم، فصمموا .. ثم سيقاتلكم، حينها فقط اغضبوا، واحرقوا حزبه، ومراكز شرطته، ورموز نظامه، ولا تقتلوا أحد، وسوف يخضع، ثم يهرب) ..
ذلك ماحدث في تونس فعلا، ويحدث بالفعل في مصر الآن، إلا أن مبارك -قَل وذَل- لم يخضع حتى الآن، فماذا ننتظر من شيطان أبله عاش متألهًا ثلاثون عامًا ..
خلال هذه الأحداث لم نرى مبارك على أي شاشة أو نسمع له عن أي تصريح، فقط ينعم في قصره النائي عن الشعب مطمئنًا على منصبه، لأنه الموالي الأكبر في الوطن العربي للولايات الأمريكيه (الدولة العظمى) التي لن تقبل بزعزعة عرشه خوفًا من أي سياسة جديدة تعارض كبريائها ..
أبرز أحداث الأيام الثلاثة:
قبل بداية اليوم الأول: جماعة الدعوة السلفية والكنيسة الأرثوزكسية في مصر يصدرا فتوى بعدم جواز المشاركة في التظاهرات.
اليوم الأول: التعامل بكل العنف من قِبل قوات الشرطة للتصدي للمتظاهرين وسقوط مئات المصابين .. التعتيم الإعلامي الكامل في كل القنوان التابعة لوزارة الإعلام المصرية وتزييف الحقائق في معظم القنوات المصرية الخاصة .. قطع جميع وسائل الإتصالات التليفونية والإنترنت عن أكثر أماكن التظاهرات سخونه ..
اليوم الثاني: ازدياد حدة العنف ضد المتظاهرين مما أدى إلى مقتل عدد من المواطنين (معظمهم من السويس) وأفراد الشرطة (دمهم جميعًا في رقبة حاكمهم) .. اعتقال مئات المتظاهرين والناشطين السياسيين والصحفيين من جميع أنحاء الجمهورية .. تصعيد أخبار وأحداث التظاهرات عالميًا واستمرار التزييف بالداخل ..
اليوم الثالث: إعلان الحرب الحقيقية على كل المتظاهرين في كل شوارع مصر .. هدوء في شوارع الاسكندرية وأعداد قليلة من المتظاهرين في القاهرة باثتثناء الوضع المشتعل في السويس) .. محاصرة أهل مدينة السويس وقطع جميع وسائل الإتصال والإنترنت عنهم ومنع دخول مراسلوا التليفزيونات وقطع الكهرباء وضربهم بالقنابل المسيلة للدموع وبالرصاص المطاطي .. ازياد عدد القتلى والمصابين .. حرق أهالي السويس لمقر الحزب والوطني .. انهيار كبير في البورصة المصرية .. غلق موقع فيسبوك في جميع مدن الجمهورية تحسبًا لجمعة الغضب ..
كما أنه بدأت تظاهرات في اليمن على غرار الثورة التونسية والتظاهرات المصرية تنادي بخلع الرئيس اليمنى على عبدالله صالح.
غدًا جمعة الغضب.

26 يناير 2011

عن ما حدث في يوم الغضب 25 يناير


صورة: ميدان التحرير وقت التظاهر في اليوم الأول
في بداية يوم 25 يناير كتبتُ:
النهاردة كانوا بيقولوا إن القوى السياسية هتتجمع علشان تعمل ثورة (رغم أني من أشد المحرضين على الثورات وعلى تحالف قوى الشعب إلا أنه بعد اطلاعي على تفاصيل ومطالب الثورة المزعومة أقول: سلامات يا ثورة) ..
بعدها:
جلست أتابع المشهد على شاشات التليفزيون، فحسبت أن الأمر مطمئنًا لمَّا خلت جميع الشاشات من أي أخبار عن تظاهرات في الشوارع المصرية، ثم بدأت الأخبار تتواتر على فيسبوك وبعض المواقع الإخبارية عن مصادمات حامية بين متظاهرين وقوات الأمن في الشوارع المصرية، وعن حالات تحرش من قِبل بعض أفراد الأمن ببعض المتظاهرين بل وتحول التحرش لاعتداء فعلي بالضرب والترويع بأن الضرب سيستمر حتى الموت، وانتشرت الأخبار على الشاشات الإخبارية الغير مصرية عن انتشار تظاهرات قوية في القاهرة، الاسكندرية، السويس، ومعظم المحافظات سواءً في مدن الدلتا أو وجه بحري أو قبلي ..
وكعادة الحكومة المصرية التي تتعامل مع كل مشكلاتها بسياسة الإخصاء منذ ثلاثة عقود (الحكومة التي عندما ينتشر في شعبها الفقر والجهل والبطالة تأمر بتحديد النسل، الحكومة التي عندما تفشل في توفير الكهرباء تقطعها بصفة عشوائية إجبارية لتتعطل الأعمال في المصالح خاصةً كانت أو حكومية ويعجز الناس عن إتمام أعمالهم، الحكومة التي عندما تفشل في إدارة شركات شعبها تخصخصها بعدما كنَّا نسعى لتأميمها، الحكومة الديكتاتورية التي تعتقل كل من يخالفها في ظلمها وفسادها ..) بدأت في قطع إتصال شبكات المحمول عن وسط البلد، وغلق المواقع الإخبارية المعارضة لها والمواقع الإجتماعية المهمة ..
قررتُ الخروج إلى الشارع والمشاركة في التظاهرات التي تعد الأقوى في الحقبة السياسية المصرية الأخيرة ..
كان كل حي من أحياء الاسكندرية يضم مظاهرة، تنادي صراحةً برحيل مبارك الرئيس هو وأسرته، وكانت الناس تنزل من البيوت لتنضم للمظاهرات، وكانت تنضم كل مظاهرة إلى الأخرى ليفوق العدد التصديق، لكن في الاسكندرية وأظن باقي المدن أيضًا عدا القاهرة كانت المظاهرات تفتقر إلى النظام، لأنها لم تكن تحت راية تحالف القوى السياسية الناشطة كما في القاهرة، كانت مظاهرات ومسيرات المحافظات أهلية شعبية بحته، فكانت تتضارب الهتافات أحيانًا، ويتشتت الناس عند مفترق الطرق لدقائق حتى تتجمع ثانية ..
لم أكن قبل ذلك أمتلك شجاعة رفع الصوت ومواجهة الجمهور، رغم أني كنت أحب أن أكون في الصوف الأولى دائمًا لمواجهة الأمن إذا واجهنا (أيام كنتُ فردًا من جماعة الإخوان المسلمين) لكن اليوم علا صوتي كثيرًا وحملني الناس على أكتافهم معظم الوقت لأوحد الصفوف والهتافات، وساعدني على ذلك الميجا فون الذي منحني إياه أحد المتظاهرين الذي نزل به بجهده الفردي، هتفنا كثيرًا وسرنا كثيرًا من دون تخريب أو ترويع طبعًا ..
وعندما اقتربنا من سيدي جابر رأينا تساقط العشرات الكثيرة من القنابل المسيلة للدموع علينا، كنت أسميها قبل ذلك العبوات الدخانية، كنت أحسبها فقط تسبب سحابة دخانية حتى لا يري المتظاهرون بعضهم فيتفرقوا، إلا أنها قنابل مدمرة فعلا، قنابل يدمر غازها الجهاز العصبي والتنفسي للإنسان فلا يستطيع أحد الصمود أمامها فعلا، بدأت الناس تهرب من الغاز وبدأت بعض النساء والشباب تتساقط على الارض لعدم احتمالها تأثير الغاز والجري، وبدأت الناس تفتح لنا أبواب بيوتها وتعطينا الماء، خفت آلامنا كثيرًا لما تأكدنا من روعة وأصالة الشعب المصري ..
نزلنا من البيوت وبدأنا نتجمع في الشوارع الجانبية التي كان في آخر أحدهما سيارة للشرطة يجلس فيها عسكري شرطة، رأي الناس تجري من بعيد هربًا من عصيان وقنابل الشرطة، فظن أنها تجري لتفتك به فخرج من سيارته وجرى بعيدًا، فما كان من المتظاهرين الذين رميت عليهم القنابل وضُرب الكثير منهم بالعصيان، إلا أن يصنعوا من سيارة الشرطة تلك قطعة كبيرة من الحديد تفريغًا لشعورهم بعدم الأمن في بلدهم صائحين (لا للذُل ولا للعار أخ بيضرب أخوه بالنار .. أمن الدولة يا أمن الدولة فين الأمن وفين الدولة) ..
وبقينا على الدرب نطوف الشوارع منادين بسقوط النظام ورحيل الرئيس، تواجهنا الشرطة، ونفترق، ونتجمع، إلى أن وصلنا إلى محطة الرمل، قابلتنا قوات جديدة من الأمن هناك، لم تكن تلك القوات بالسذاجة التي تجعلهم يرمون القنابل في ذلك المكان السياحي الحيوي الذي تتجمع فيه السفارات والسينمات والفنادق والمحلات التي لا تغلق أبوابها أبدًا، تكلموا مع بعض المتظاهرين الذين وقفوا سامعين صاغرين للرتب المهيبة التي تخاطبهم في ود مصطنع، والبعض الآخر أكمل مسيرته في اتجاهات متفرقة، فوجدت أن الأمر بدا عشوائيًا جدًا، فرجعت إلى البيت لأتابع المشهد عبر الشاشات ..
كانت كل شاشات التليفزيون المصري تسبب ليَّ حالة مزرية من القرف بما تعرضه من سخافات وكأن شيئًا لا يحدث، وكانت برامج التوك شو على الشاشات المصرية الأخرى تزيف طرف تطرحه من الحادث كخبر عابر عن أن هناك أحداث شغب يفتعلها (الإخوان المسلمون: الحيطة المايلة للنظام) في الشارع المصري، كدتُ أنهار تمامًا عندما طالعت شاشة الفراعين -التي يمتلكها كبير المنافقين السياسيين الموالين للحكومة: توفيق عكاشة- كانت تحادث أشخاص من برنامجها الرئيسي يدَّعون أنهم مراسلوا القناة من قلب الحدث في كل محافظة، كانوا يبثون أن لا شيء يحدث وأن الأمر مطمئنًا في كل الدنيا إلا من العشرات الذين يتظاهرون مظاهرات عادية مطالبين بمطالب إجتماعية، لم يكن ذلك البرود والتعتيم جديدًا على تعليمات السيد الرئيس، لكن القناة المصرية الوحيدة التي ناقشت الموضوع بكل وضوح وبصورة وافية حقيقية هي قناة ONTV المصرية في الساعات الأخيرة من ذلك اليوم، وكان النصيب الأكبر في بث الحدث من أرض الواقع في قلب القاهرة هي قناة الجزيرة الإخبارية القطرية ..
بقيت الجزيرة تذيع الحدث من قلب القاهرة بعد منتصف الليل حتى ساعات الصباح الأولى، وبقيتُ أتابع الحرب التي شنتها قوات الشرطة على شعب القاهرة، الشعب العظيم المنظم الشجاع الذي يعرف مطالب شعبه ويعرف كيف يطالب بها، هنا فقط عرفت أن الثورة المنشودة، يمكن أن تتحقق فعلا ..
غدًا أتابع أحداث اليوم ونتائج التظاهر خلال أيام الغضب.

26 مايو 2009

العشاء الأخير

نزلت المائدة، وكان التلاميذ يعلمون أنه آخر عشاء لهم بصحبة مُخَلِّصَهُمُ (يسوع المسيح) نبي (الناصرة) الذي أراد أن يُخَلِّصَهُمُ من جشع يهود، ومن الظلام الذي خيَّم على القلوب والعقول جراء الوثنية.

جلس (السيد المسيح) عند رأس المائدة، بينما كان التلاميذ الإثنا عشر يتنافسون على مقاعد الشرف القريبة منه، فقام من مَقْعَدَهُ وجاء بحوض به ماء وغسل أرجل التلاميذ وقال:
-         لقد حاولتم التنافس على مقعد الشرف، والأن أضرب لكم المثل الذي يجب أن تحتذوه: تذكروا أن الخادم ليس أعظم من سيده.

فهم التلاميذ قصد معلمهم وراحوا يتناولون العشاء فى صمت، فقطع السيد المسيح صمتهم وقال:
-         إن أحدكم سوف يسلِّمني.

وقعت الكلمات على التلاميذ كوابل، فزادت من صمتهم لحظات يتناظرون فيها إلى بعضهم، ثم تهامس كل منهم في رجفةٍ:
-         هل هو أنا يا مُعَلِّمُ ؟

فقال السيد المسيح:
-         إن الذي يضع يده في الصفحة معي هو الذي سيسلمنى، ولقد كان خيرًا للذى يسلمنى أن لو كان لم يولد.

أكلوا فى صمت، ولم ينتبه أحدٌ إلى أن (يهوذا الأسخريوطي) كان هو الذي وضع يده مع االسَّيد في الصفحة.

* * *

كان الملأ من يهود قد اجتمعوا وعقدوا مجلس (السنهدرين؛ يعني : المجلس التشريعي الأعلى لليهود) الذي دعا إليه الحاخام الأكبر (قيافا) ليروا كيف يستطيعون ايقاف (يسوع) - الذي يُدْعَىَ المسيح - عن الوعظ وكيف يمنعوا عدد أتباعه من الأزدياد. فقد اغتاظوا من جرأته لما جاء الهيكل وطرد منه التجار والصيارفة من قبل، وما ميَّز غيظهم تلك المرَّة؛ عندما جاء إلى أورشليم ولم يكن وحده، كان حوله أتباع كثيرون ينشدون ويرتلون في الشوارع وقد انتابتهم نوبة قوية من الغضب الشديد فراحو يقلبون مناضد الصيارفة والتجار ويبعثرون نقودهم على الأرض ويخرجونهم من فناء الهيكل بضرب العصى.

خاف الملأ من أفعال أتباع المسيح، وأن تدفعهم عواطفهم الثائرة ونزعتهم الوطنية إلى الثورة على السلطة الرومانية، فتكون العاقبة هي القضاء على ما يتمتع به يهود وزعمائهم من حُكْمٌ ذاتي وحرية في جمع المال بإسم الدين. فوافق المجلس بأغلبيته على رأى (قيافا) الذي قال:
-         خير لنا أن يموت إنسان واحد من الشعب ولا تهلك كل أمة يهود.

* * *

انتهى التلاميذ من العشاء، كما انتهى المجلس من قراره. وها هو (السيد المسيح) بصحبة احدا عشر تلميذًا، خرجوا من المدينة إلى حديقة (جشماني) التي اعتاد (السيد المسيح) الخروج إليها للصلاة والتعبد.

* * *

وبينما رؤساء الكهنة يتشاورون فى الطريقة التي بها يقبضون على (السيد المسيح) دون إثارة للشغب، إذ دخل عليهم (يهوذا) يساومهم:
-         ماذا تعطونني وأنا أسلمه إليكم ؟

جلست الخيانة على مائدة الكفر وبدأت المساومات.

* * *

شق السكون في الحديقة بعدما انتصف الليل وصول (يهوذا) يتقدم جماعة من الضباط والجنود حاملين مشاعلهم وعصيهم، فتقدم (السيد المسيح) إليهم يسألهم:
-         عمن تبحثون ؟

قالوا:
-         نبحث عمن يُدْعَىَ (يسوع) الناصري.

فقال على الفور :
-         أنا هو.

لم يكن (السيد المسيح) يكشف عن نفسه إلا وقد هرب التلاميذ وتخلوا عن مُعَلِمَهُمُ. ولكن أين (يسوع) ؟ أهرب مع تلاميذه ؟

* * *

دخل (يهوذا) بعنف على التلاميذ في البيت الذي كانوا قد اجتمعوا فيه بعد الهرب وأخذ يفتش ويقول :
-         أين اَلْمُعَلِمُ ؟

قالوا له:
-         أنت اَلْمُعَلِمُ، أنسيتنا أم أنك تُنْكِرُنَاَ ؟

* * *

ألقى الضباط القبض على (يهوذا) في رداء (السيد المسيح) وقيدوه وقادوه إلى بيت كبير كهنة يهود، وبعد ليلة طويلة من الإتهامات والإهانات جيئ به إلى قاعة المحاكمة أمام (بيلاطس اَلْبُنْطِيِ) حاكم أورشليم الروماني، وحوكم محاكمة لم يشهدها التاريخ من قبل، لكن، ربما تكررت كثيرًا بعدها.

وجد (يهوذا) فى رداء (السيد المسيح) نفسه متهمًا بالأتي :
1.      الكفر بالعقيدة الموسوية.
رغم أن (السيد المسيح) لم ينقد العقيدة الموسوية، بل كان الكهنة هم من استخدموا قشورها وحوروها لمصالحهم المالية.
2.      الخيانة وتدبير المؤامرات ضد أمن الدولة الرومانية.
3.      تحريض الناس على الإمتناع عن دفع الجزية.
4.      التمرد على السلطات.
5.      إفساد الأمة.

وبعد المحاكمة الملفقة تهمها الظالمة أحكامها، تم الحكم بصلب (يسوع) الناصري حتى الموت. ولأن الله لا يقبل بالظلم أن يحل على عباده فقد رفع نبيه إليه وألقى شبهه على (يهوذا) الخائن الذي أشترى ثمن عذابه وصلبه في الدنيا وخزيه في الآخرة بثلاثون قطعة من الفضة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لوحة العشاء الأخير: رسمها (ليوناردو دافنشي) سنة 1498، على جدران كنيسة (سانتا ماريا) في: فلورانسا، إيطاليا.